في موقفٍ بدا مفاجئاً أو غير متوقّع في التوقيت والمضمون، لكنه حكماً مدروس في العمق ومستند إلى معطياتٍ تؤشر إلى المستقبلين القريب والبعيد، محلياً وفي المنطقة، وفي الذكرى الثامنة والأربعين لاستشهاد الزعيم الوطني كمال جنبلاط، في 16 آذار 2025، أي قبل عام تقريباً، أعلن الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط اختتام إحياء هذه المناسبة في كلمةٍ ورد فيها: "أعلن باسمي وباسم عائلتي واسم الحزب ختم هذا التقليد، كون عدالة التاريخ أخذت مجراها في مكانٍ ما ولو بعد حين"، في إشارةٍ إلى "اعتقال النظام السوري الجديد ابراهيم الحويجة، المسؤول عن جريمة اغتيال كمال جنبلاط في ذاك اليوم الأسود"، مضيفاً: "تتطلع المختارة والحزب إلى مرحلةٍ جديدة من النضال والتحدي"، معدّداً مجموعة أسسٍ ترسم اتجاه النضال السياسيّ للحزب الاشتراكي في المرحلة المقبلة.
هذا الموقف لقي ردوداً مرحبة به، باعتباره مؤشراً إلى التحرّر من أثقال الصراعات الداخلية عبر تجاوز محطاتٍ تذكّر بها، وردوداً مستغربة، باعتبار هذه المناسبة تحديداً لا تعني الحزب التقدمي الاشتراكيّ حصراً، بل تعني الأحزاب التي تشكلت منها "الحركة الوطنية" التي أعلن جنبلاط قبل سنواتٍ "حلّها"، وتعني كذلك الذاكرة الجمعية اللبنانية التي شكل اغتيال الشهيد كمال جنبلاط بداية درب جلجلة سار عليها لبنان واللبنانيون عقوداً.
يوم السبت 14 شباط الجاري، أحيا الحزب التقدمي الاشتراكي "الذكرى الثانية والأربعين لتحرير الشحار الغربي"، وألقى رئيسه النائب تيمور جنبلاط كلمةً جدّد فيها التأكيد على ثوابت "المصالحة كخيارٍ نهائيّ لا رجعة عنه، وأن لا بديل عن الدولة ولا عن الشراكة الوطنية"، بمشاركة حشودٍ ومن ثم مسيرات حملت أعلام "الحزب والطائفة".
كيف تُلغى ذكرى ويتمّ إحياء أخرى؟
ألم يكن الأجدى الإبقاء على 16 آذار مناسبةً جامعة لكل المحطات التي شهدت مواجهات وحروباً وانتكاسات وانتصارات، وإلغاء تلك "الاحتفالات" في القرى التي عاشت تلك المحطات وعانت منها، وبالتالي إلغاء الخطابات التي تستحضرها بعباراتٍ من نوع "الوحدة والتسامح والمصالحة وتجاوز الماضي وشبك الأيدي والقلوب"، وهي مسلّمات وقيمٌ ينبغي تكريسها وجعلها قاموس حياتنا اليومية، من دون الحاجة إلى التذكير بها.
لا نشك في القصد الطيب من هذا التذكير، لكنه في السياق يستعيد ما رافق تلك المحطات من مآسٍ، كي لا نقول إنه ينكأ الجراح ويعيد تحريك دفائن النفوس.





